استيقظتُ هذا الصباح وأنا أعاني آلامًا مبرحة، ليست ناتجة عن اعتداء جسدي أو مرض أو حادث، بل عن عذاب نفسي شديد انتابني منذ أسابيع قليلة حين اطلعتُ على بعض مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي التي تُفصّل سوء الفهم الذي وقع بين شيخ جليل، رئيس أعرق مركز للدراسات الإسلامية التقليدية في يوروبالاند، وأستاذ جامعي مرموق، يُعتبر من أفضل العلماء في مجتمعنا
للأسف، تحوّل سوء الفهم إلى صراعات طائفية مدفوعة بالأنانية، حيث استمرّ أنصار الشيخ والمؤيدون المتحمسون للأستاذ في تبادل الاتهامات، بينما الضحية الحقيقية في هذه المعركة هو الإسلام نفسه وقدسية تعاليمه
من المحزن أن نجد أنفسنا اليوم في زمن يُذكر فيه اسم الإسلام غالبًا بلغة الخوف بدلًا من الأمل، والريبة بدلًا من الثقة، والانقسام بدلًا من الكرامة. لقد شُوِّه ديننا، الذي كان من المفترض أن يكون نذيرًا للحب والسلام، ليصبح رايةً ترفرف تحتها الكراهية بثقة
من الواضح أن هذه القصة برمتها نتاجٌ للعداوات التي كانت قائمة بين علماء الإسلام التقليديين وبعض إخواننا الذين تلقوا تعليمهم في السعودية
لطالما انقسم علماء الإسلام التقليديون إلى فئاتٍ متباينة، ضمن هيكلٍ يجمع بين التقوى الصوفية، والإصلاح المعتدل، والبراغماتية الحديثة، والتوفيقية المرضية؛ بينما يتمسك الإخوة الذين تلقوا تعليمهم في السعودية بالنزعة السلفية المتشددة، والتي قدموها، في أغلب الأحيان دون قصد، على أنها شمولية أيديولوجية
بسبب اختلاف مناهجهم ومصالحهم، انخرط كلا المعسكرين في انقسامات أيديولوجية، بعضها ما زال يملأ الفضاء الإلكتروني منذ سنوات. وعلى هذا الأساس ينبغي النظر إلى الأزمة الراهنة
في هذه القصة برمتها، نواجه أحد أهم دروس ديناميكيات العلاقات الإنسانية: الخطأ من طبيعة البشر. من طبيعة الإنسان أن يُصحّح، ومن طبيعته أن يُخالف، ومن طبيعته أيضاً أن يتفق. ومن متاهة هذه المواقف تبرز إحدى أعظم صفات الإنسان، ألا وهي بناء السلام، أي حلّ النزاعات الناجمة عن هذه المواقف
إن الأستاذ الجليل، الذي كان، ويا للمفارقة، في طليعة من يُسوّون النزاعات، ويحلّون الأزمات، ويبنون جسور التواصل، ويُرمّمون البنى المتصدّعة، قد وقع فجأةً في هاوية الاضطرابات النفسية والاجتماعية المنهجية التي حذّر منها. وبحكم طبيعته البشرية، أخطأ في كلامه
لو أنه اكتفى بمخالفة الشيخ، لما كان هذا الصخب بهذا القدر. من الواضح أنه نسي نفسه تلك اللحظة العابرة من النسيان التي تُعمي المرء عن الصورة الأوسع وفي غمرة خلافه مع الشيخ، نسي الحكمة الأخلاقية التي كان يُبشّر بها الجميع؛ ولكن مع ذلك، هل يستحق كل هذا الغضب؟ كلا، لا يستحق
لا أرغب اليوم في لوم الأستاذ على خطئه فهو بشر في النهاية، ولا أرغب في إصدار حكم على جوهر الخلاف. إنما أناشد منتقديه أن يوازنوا خطأه في ضوء سيرته الذاتية، التي هي في معظمها إيجابية
أناشد جميع الأطراف اليوم، لا لأننا متشابهون، بل لأن الله قد جمعنا على الإخوة؛ فنحن نتشارك القبلة نفسها، ونتلو القرآن نفسه، ونشهد على اتباع النبي نفسه (صلى الله عليه وسلم). ومع ذلك، ورغم هذه الوحدة المقدسة، فإن أمتنا تنزف – ليس غالبًا من ضربات أعدائها، بل من جراح ألحقتها بنفسها
اليوم، يجب أن نسأل أنفسنا سؤالًا صعبًا ولكنه ضروري: كيف أصبح الإسلام، دين الرحمة، في بعض أوساطنا، لغة غضب وحقد؟ كيف تحولت منابرنا إلى منصات لخطابات الكراهية، ومجالسنا إلى مسارح للثرثرة المغرضة؟
لا تُقدّم أيديولوجيات الكراهية داخل الأمة الإسلامية نفسها عادةً على أنها كراهية صريحة، بل تأتي متسترةً بعباءة الحماس الديني، مدافعةً عن الدين، أو حاميةً للمنهج السليم. ولكن عندما ينفصل الحماس عن الحكمة، يتحول إلى دمار. فعندما يتطلب الدفاع عن الإسلام إذلال المسلمين، يكون الإسلام نفسه هو الضحية
يأمرنا الله تعالى بوضوح: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (القرآن ١٦: ١٢٥)
لذلك، فالحكمة ليست اختيارية، بل هي أمر إلهي، وجوهر الرسالة، وهي ما يُبرز جمالها. فهي لا تُعلّم الكلمة فحسب، بل تعرف ماهية الرسالة، وسببها، وكيفية تطبيقها. إنها تتناول مضمون الرسالة، ومقصدها، وسياقها، وتعرف متى يكون الصمت من ذهب
من الحكمة أن ندرك أن أمتنا لم تُخلق لتكون أحادية الجانب. فقد اختلف الصحابة، واختلف الفقهاء، وأضفى علماء الفقه طابعًا مؤسسيًا على الاختلاف وسمّوه رحمة. ورفض الإمام مالك فرض موطأه على الأمة