تفكيك لغز رمضان

17

انقضت أول جمعة من شهر رمضان المبارك، شهر تجليات الفضائل الإلهية

لا شك أنك قرأت أو سمعت الكثير عن هذا الشهر، ولكن مهما بلغت معرفتك، يبقى رمضان لغزًا

فدلالاته الفكرية العميقة ورمزيته الواسعة تجعله موضوعًا لأنواع مختلفة من التحليلات اللاهوتية والأدبية والفلسفية والأخلاقية والصوفية

فعند المتصوفة المسلمين الأوائل، رمضان هو شهر العودة

إنه عودة إلى العهد الأزلي بين الإنسان وخالقه. ليس مجرد شهر امتناع عن الطعام والشراب، بل هو رحلة روحية مقدسة للعودة؛ عودة من التفرق إلى الوحدة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الدنيا إلى رب العالمين

لذا، فالجوع عند المتصوف ليس حرمانًا، بل هو تطهير. العطش ليس انزعاجًا، بل هو إيقاظ. عندما يضعف الجسد، تقوى الروح

يصبح الصيام الظاهري وسيلة لإيقاظ الصيام الباطني: الصيام عن الأنانية والكبر والغضب والتعلقات الدنيوية

وكما يشير جلال الدين الرومي، فإن الفراغ يفسح المجال للفيض الإلهي. عندما تكون المعدة فارغة، يصبح القلب متقبلًا. لذلك، فإن رمضان هو فن التفرغ من الجسد حتى يمتلئ المرء بالله

مستويات الصيام
يعلم المتصوفة المسلمون أيضًا أن للصيام مستويات

1. صيام عامة الناس: الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات الجسدية

2. صيام المختارين: حفظ العينين والأذنين واللسان والجوارح من المعاصي

3. صيام المختارين من المختارين: صيام القلب عن كل ما يصرفه عن الله

بين الغزالي أن الصيام الحقيقي ليس مجرد جوع؛ إنها حمايةٌ لكل ملكةٍ من المعصية. يصوم اللسان عن الغيبة، وتصوم العين عن الحسد، ويصوم القلب عن الكبر

لذا، فإن رمضان بالنسبة للمسلم الحق ليس تقليلاً للطعام، بل هو تقليلٌ للأنا، وكبحٌ للشهوات الدنيئة، وتزكيةٌ للنفس

على هذا المستوى من التأمل، يُنظر إلى الجوع كمعلم. فعندما يشعر المرء بالضعف، يُدرك حاجته إلى شيء. والحاجة هي سبيل الإخلاص الحقيقي

في الأيام العادية، يتوهم الإنسان أنه مكتفٍ بذاته. لكن رمضان يُبدد هذا الوهم. فبضع ساعاتٍ دون طعام تُذكر العبد بأن البقاء ليس بيده

رأى المتصوف محيي الدين ابن عربي حاجة الإنسان مرآةً تعكس الغنى الإلهي. فكلما ازداد وعينا بفقرنا، ازداد إدراكنا لكرم الله. لذا، عندما يشعر المؤمنون بوخزات الجوع، لا يتذمرون منه، بل يصغون إلى رسالته

ليلة رمضانية مميزة
تحتل الليلة المميزة، وخاصة في رمضان، مكانة بالغة الأهمية في الروحانية الإسلامية. إنها ساعة القرب والخشوع. عندما يغط العالم في سبات عميق، يبقى العشاق ساهرين. لا يصبح التهجد واجبًا، بل حوارًا. تصبح الدموع لغةً، ويصبح الصمت ذكرى. في سكون الليل: ينزل القرآن على القلب، وتضعف الأنا، وتهمس الروح بشوقها

يفهم المتصوف ليلة القدر لا كحدث تاريخي فحسب، بل كحالة من الإشراق الروحي تتحقق عندما يستسلم القلب تمامًا

هذه الحالة من الاستسلام تجعل من رمضان مدرسة صيفية للحب. إن الامتناع عن الملذات الجسدية والمحرمات خلال النهار في رمضان هو في حد ذاته علامة على خضوع المحب للمحبوب. إنّ فعل الخير للفقراء والمحتاجين يُنمّي في المؤمن فضائل الحب والتعاطف والرحمة، ويُهدّئ من غضب الأنانية الجامح

صيام رمضان يُدرّب المؤمن على الانضباط، لكن غايته المحبة. يُنمّي التقوى، وثمرته القرب من الله

ينتهي رمضان بالعيد، مُبشّراً ببداية حياة جديدة. فإذا ما خفّت الأنانية ونقّى القلب، خرج العبد من رمضان أنقى وأصفى وأقرب إلى الله. بالنسبة للمؤمن الحق، رمضان ليس مجرد شهر ميلادي، بل هو حالة روحية. هو تجريد من كل ما يفصل العبد عن حبيبه

ليكن صيامنا من اللسان إلى الجسد، ومن الجسد إلى القلب، ومن القلب إلى القرب من الله

Comments are closed.