دعا نائب الرئيس النيجيري السابق، يمي أوسينباجو، إلى السيادة العملية لأفريقيا، مشيرًا إلى أن القارة تجاوزت الاستقلال الخطابي، وأصبحت الآن تُساهم بفعالية في تشكيل الأنظمة العالمية من خلال هيكلة التجارة، والاستفادة من الموارد المعدنية، والثقل الديموغرافي، واستراتيجية المناخ.
وفي كلمته الرئيسية في المؤتمر الدولي للمحاضرات والقيادة، الذي أُقيم تكريمًا للرئيس الراحل الجنرال مرتالا محمد، استذكر أوسينباجو إعلان محمد عام 1976 بأن “أفريقيا قد بلغت سن الرشد”، وأعاد صياغته كعقيدة حية لا مجرد شعار تاريخي.
العقيدة والاستمرارية التاريخية
وضع أوسينباجو حجته ضمن السياق الأيديولوجي الذي بدأ في حقبة ما بعد الاستقلال، حين كانت السيادة السياسية هي الهدف الأسمى. واستذكر إصرار محمد على أن تُحدد أفريقيا مصالحها بنفسها وترفض التوجيهات الخارجية.
وأكد أن لحظة عام 1976 عززت الثقة السياسية، بينما تتطلب اللحظة الراهنة ترسيخًا اقتصاديًا ومؤسسيًا. أشار إلى أن النضج لا يتعلق بغياب القيود، بل بتأكيد القدرة على الفعل وبناء أنظمة تتوافق مع أولويات القارة. وقال: “إن التحول يكمن في الانتقال من السيادة الرمزية إلى السيادة العملية”.
السيادة الاقتصادية والاستراتيجية الصناعية
يُعدّ إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية محور هذا التحول العملي، ووصفه بأنه أهم إصلاح اقتصادي في حقبة ما بعد الاستقلال. وتضم هذه الاتفاقية 1.4 مليار نسمة في 54 دولة، ويبلغ إجمالي ناتجها المحلي 3.4 تريليون دولار، مما يجعلها أكبر منطقة تجارة حرة من حيث عدد الدول المشاركة.
وأشار أوسينباجو إلى الحصة المتزايدة للسلع الصناعية في التجارة البينية الأفريقية، بما في ذلك الآلات والأدوية والمنتجات المصنعة، كدليل على أن القارة تتجاوز تدريجياً الاعتماد على المواد الخام.
وقال: “لم يعد النقاش يدور حول الوصول إلى الأسواق الخارجية، بل حول تعزيز سلاسل القيمة داخل أفريقيا”.
فيما يتعلق بالمعادن الحيوية، أكد أن أفريقيا تمتلك نحو 30% من الاحتياطيات العالمية الأساسية لانتقال الطاقة، بما في ذلك الكوبالت والليثيوم والمنغنيز. وتتجه الدول بشكل متزايد إلى تعديل أنظمة التصدير لإعطاء الأولوية للتصنيع المحلي وإضافة القيمة قبل التصدير. وربط سياسة المعادن بالدبلوماسية الصناعية، قائلاً إن “السيطرة على عمليات التصنيع وسلاسل التوريد تُترجم إلى قوة تفاوضية في اقتصاد عالمي يسعى إلى خفض انبعاثات الكربون”.
وأشار إلى أن التركيبة السكانية تُعزز هذه القوة. “بحلول منتصف القرن، ستُمثل أفريقيا ربع القوى العاملة العالمية، مما يجعلها رائدة في مجال العمل والابتكار في وقت تُعيد فيه المجتمعات المُسنة تشكيل الاقتصادات المتقدمة”.
اقرأ أيضاً: انقلاب في غرب أفريقيا: نائب الرئيس أوسينباجو يدعو إلى اتخاذ خطوات استباقية
انتقال الطاقة والتأثير المناخي
وصف أوسينباجو انتقال الطاقة بأنه يُمثل في الوقت نفسه خطراً وفرصة. لا تزال أفريقيا تُعاني من نقص في الطاقة، ومع ذلك فهي تمتلك إمكانات كبيرة في مجال الطاقة المتجددة واحتياطيات من الغاز الطبيعي يُمكن أن تُستخدم كوقود انتقالي.
وأشار إلى توسع مشاريع الطاقة المتجددة في شمال وشرق وجنوب أفريقيا، إلى جانب مبادرات الهيدروجين الأخضر الناشئة، كمؤشرات على أن القارة تُرسّخ مكانتها ضمن الجيل القادم من أنواع الوقود الصناعي.
وقال: “يجب أن تُواءم استراتيجية المناخ بين النمو والاستدامة. تُمثّل غابات أفريقيا وأراضيها الرطبة وثرواتها من التنوع البيولوجي، بما في ذلك حوض الكونغو، مصارف عالمية للكربون ذات أهمية استراتيجية. يجب الاعتراف بهذه الثروات الطبيعية في التمويل الدولي وأسواق الكربون”.